* وقال آخرون منهم الطبري : لا يجوز الكذب في شيء أصلا .
قالوا : وما جاء من الإباحة في هذا المراد به التورية , واستعمال المعاريض , لا صريح الكذب ,
مثل أن يعد زوجته أن يحسن إليها ويكسوها كذا , وينوي إن قدر الله ذلك .
وحاصله أن يأتي بكلمات محتملة , يفهم المخاطب منها ما يطيب قلبه .
وإذا سعى في الإصلاح نقل عن هؤلاء إلى هؤلاء كلاما جميلا , ومن هؤلاء إلى هؤلاء كذلك وورى
وكذا في الحرب بأن يقول لعدوه : مات إمامكم الأعظم , وينوي إمامهم في الأزمان الماضية : أو غدا يأتينا مدد أي طعام ونحوه . هذا من المعاريض المباحة , فكل هذا جائز .
وتأولوا قصة إبراهيم ويوسف وما جاء من هذا على المعاريض . والله أعلم .
وأما كذبه لزوجته وكذبها له فالمراد به في إظهار الود والوعد بما لا يلزم ونحو ذلك , فأما المخادعة في منع ما عليه أو عليها , أو أخذ ما ليس له أو لها فهو حرام بإجماع المسلمين . والله أعلم .انتهى كلام النووي رحمه الله .
و إكمالاً للفائدة أنقل لكم كلام الإمام ابن باز رحمه الله و العلامة الفوزان حفظه الله في هذا الموضوع ، و قد فرّغت دررهُما تسهيلاً على القراء .
و إليكم البيان
سئل باز السنّة غفر الله له السؤال التالي :
( ما معنى هذا الحديث الشريف ، عن أم كلثوم رضي الله عنها ، أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : لم يُرخَّص في شيء مما يقول الناس ، إلا في ثلاث : في الحرب و الإصلاح بين الناس و حديث الزوجين لبعضها .
اشرحوا لنا هذا لو تكرمتم ) .
فأجاب نوّر الله ضريحه ( الحديث صحيح ، رواه الشيخان من حديث أم كلثوم رضي الله عنها بنت عقبة بن أبي معيط أنها سمعت النبي صلى الله عليه و سلم : ليس الكذاب الذي يُصلح بين الناس ، فيقول خيراً و يُنْمي خيرا .
قالت : و لم أسمعه يُرَخِّص في شيء من الكذب إلا في ثلاث : الحرب ، و في الإصلاح بين الناس ، و في حديث الرجل امرأته و المرأة زوجها . رواه مسلم بهذه الزيادة .
و هذا يدل على أنّ الذي المُصلح بين الناس ليس بكذاب ، الذي يُصلح بين الناس بين القبيلتين أو بين الأسرتين ، أو بين شخصين تنازعا فأصلحا بينهما و كَذَب فإنّ هذا لا يضره.
لأنه أراد الإصلاح ، فإذا أتى إحدى القبيلتين أو إحدى الأسرتين أو أحد الشخصين ، فقال له قولاً طيباً عن صاحبه و أنه يرغب في الصلح و أنه يُثني عليك و أنه يحب مصالحتك.
ثم جاء الآخر و قال له كلاماً طيباً، حتى أصلح بينهما . فهذا طيب .
لأنه لا يَضر أحداً بذلك ، ينفع المُتنازعَيْن و لا يضر أحداً.
و هكذا لو جاء الأسرة و قال عن الأسرة الثانية أنها تُثني عليك ، و أنها تدعو لك ، و أنه تحب المصالحة معك.
و لم يقع هذا ، لكن هو كَذَب هذا الشيء ليُصلح بينهما .
هو مأجور على هذا ، و لا شيء عليه .
و هكذا بين القبيلتين .
جاء القبيلة وقال : إنّ القبيلة الفلانية تُثني عليكم وتدعو لكم و ترغب الإصلاح .
ثم أتى الأخرى و قال لها مثلك ذلك ، حتى سعى بينهما في الصلح و إزالة الشحناء .
هو مأجور بذلك ، إذا كان كذبه لا يضر أحداً غيرهم ، لا يضر أحداً من الناس ، إنما ينفعهم و يجمعهم و يُزيل الشحناء بينهم .
فهو مأجور و ليس بكذاب كذِباً يضره أو
( كلمة لم أضبطها )
الخصلة الثانية في الحرب ... بأنْ قال للغزاة : ( إنّا قافلون غداً ) لينظر لينظر
قافلون يعني : مُنصرفون راجعون
لينظر مابي عند العدو ، إذا سمع بخبر القفول
لعله يَخرج من حصونه ، لعله يتبين له شيء يُعينه على الجهاد ، و لينظر ما عند الجيش من النشاط و الهمة العالية أو عدم النشاط في الحرب .
فإذا كذب لمصلحة فلا بأس بذلك . الحرب .لأنه يريد
الحرب خُدعة
و هكذا لو قفل راجعاً و قال : ( إنا راجعون ) حتى يخرج العدو من حصونه و من مُترّساته ، حتى يبرز ثم يَكرّ عليهم المسلمون و يُقاتلونهم إذا برزوا . هذا أيضاً لا بأس به.
كذب فيه مصلحة للمسلمين ، فلا يَضُر ذلك
و كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا أراد غزوة وَرّى بغيرها ، حتى يهجم على العدو على غرة
إذا أراد الشَّمال مثلاً ، قال : إنا سوف نغزو الجنوب ، سوف نغزو جهة الغرب جهة الشرق ، حتى لا يستعد له العدو ، حتى يهجم عليهم على غرة إذا كانوا قد بُلّغوا و دُعوا الله و أصروا ، فلا بأس أن يُهاجموا على غرة .
أما الثالثة فهي حديث الرجل امرأته و المرأة زوجها لا بأس بذلك .
فإنّ الرجل مع زوجته قد يحصل بينهم مشاكل و نزاع عند ملابس أو طعام أو زيارة أو ما أشبه ذلك ، فيقول لها : سوف أفعل كذا و كذا ، سوف أشتري لك كذا ، و سوف أفعل كذا ، مما يُرضيها حتى يزول النزاع و حتى تزول الشحناء .
أو تقول هي كذلك : سوف أفعل كذا ، سوف لا أخرج إلا بإذنك ، و هي عارفة أنها سوف تُخالفه لكن تُريد أن يرضى .
أو سوف أُنفّذ ما قلتَ في كذا و كذا و كذا ، و إن كان في اعتقادها أو عزمها أن لا تُنفّذ ، لكن تُريد أن تكسب رضاه حتى تزول الشحناء و العداوة . فلا بأس بهذا .
لأنّ هذا فعل في مصلحتهما ( جملة لم أضبطها )
فإنْ كان كذبهما في مصلحتهما و لا يضر غيرهما فلا حرج ( جملة لم أضبطها )
لأنه إصلاح معروف ليس به مضرة على أحد ) انتهى كلامه ر حمه الله .
الفتوى من موقع الشيخ تجدونها على هذا الرابط
[ معذرة ... يمكن للأعضاء فقط أن يشاهدوا الروابط إضغط هنا للتسجيل ]