كيف تكوّنت المجموعة الشمسية؟
هناك عدة نظريات تحاول تفسير تكوّن المجموعة الشمسية، تتميز النظريات بالاختلاف فيما بينها وبوقوعها على درجات مختلفة من سلم التعقيد، وهذه النظريات تضم في طياتها مفاهيم مختلفة من أفرع عديدة من العلوم، حيث تضم علوم الفيزياء والجيولوجيا والفلك وعلم الكواكب Planetary Science.
ومنذ مئات السنين وهناك نظريات لتفسير نشأة الشمس والكواكب، إلا أن هذه النظريات لم تتخذ الطابع العلمي الحديث إلا في القرن الثامن عشر. ومع بزوغ فجر علوم الفضاء والرحلات الفضائية، أصبحت فكرتنا عن ماهية الكون حولنا أفضل بكثير، إضافة إلى تطوّر الفيزياء النووية التي عرفتنا بما يحدث بالضبط داخل النجوم من تفاعلات نووية.
والنظرية السائدة حاليا عن تطور المجموعة الشمسية هي النظرية السديمية nebular hypothesis التي وضعها لأول مرة "إيمانويل سويدينبورج" عام 1734. وفي 1755 أتى الفيلسوف الشهير "إيمانويل كانط" ليطوّر نظرية "سويدينبورج" ويجري عليها بعض التعديلات والتحسينات. عام 1796 توصل الفلكي والرياضي الفرنسي "بير سيمون لابلاس" إلى نفس النظرية بصورة مستقلة دون أن يعرف شيئا عن نظرية "سويدينبورج" (وهي ظاهرة شائعة في العالم أن يتوصل أشخاص مختلفون إلى نفس النظريات بصورة مستقلة دون أن يعرفوا شيئا عن بعضهم البعض). وتقول النظرية إنه منذ 4.6 مليار سنة مضت، تكونت المجموعة الشمسية من سحابة هائلة من الغاز والغبار انكمشت على نفسها بفعل جاذبيتها الداخلية. هذه السحابة كانت هائلة الحجم لدرجة أن طولها كان يصل إلى عدة سنوات ضوئية، وقد تكون منها العديد من النجوم الأخرى فضلا عن الشمس.
وكان يُعتقد في البداية أن عملية الانكماش وتكوين النجوم هذه كانت عملية هادئة، إلا أن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن هناك عناصر في المجموعة الشمسية لا تتكون إلا في قلب النجوم المتفجرة، وعلى هذا يعتقد العلماء أنه كان هناك عدد من النجوم المتفجرة (سوبرنوفا) قريبة من السحابة، وأن الموجات التصادمية التي نتجت عن هذه النجوم المتفجرة أدت إلى تجميع كمية كبيرة من محتويات السحابة في كتلة واحدة، هذه الكتلة هي التي تكونت منها الشمس وكواكبها بعد ذلك، حيث ظلت هذه المادة تدور حول نفسها وتتجمع أكثر وأكثر. وتحت تأثير الضغط والحرارة وقوى الجاذبية والمجالات المغناطيسية وتأثير الدوران نفسه، أصبحت هذه الكتلة أكثر تسطيحا وأصبح لها قطر يساوى حوالي مائتي وحدة فلكية، مع وجود كتلة كثيفة في المركز هي الكتلة التي ستتحول إلى الشمس بعد ذلك.
وبالنسبة لحزام الكويكبات، فقد كانت هذه المنطقة تحتوي على مادة كافية لتكوين كوكب أرضي، إلا أن المشترى تكوّن أولا قبل أن تتجمع هذه المادة على صورة كوكب، وقد منعتها ظاهرة الرنين المداري مع المشترى من تكوين كوكب، كما تحدثنا في الحلقة الخاصة بحزام الكويكبات.
تقدير العمر
يقدر العلماء عمر المجموعة الشمسية بـ4.6 مليار عام. ويبلغ عمر أقدم الصخور على كوكبنا 3.9 مليار سنة. ومن النادر جدا الحصول على صخور بهذا العمر، نظرا لأن سطح الأرض في حالة تغيير مستمر بسبب عوامل التعرية والبراكين والزلازل وحركة الألواح التكتونية التي تتكون منها القارات. ولكي يستطيع العلماء تحديد عمر المجموعة الشمسية فإنهم يفعلون ذلك عن طريق تحديد عمر النيازك التي تسقط على الأرض، والتي تكونت خلال عملية التكثيف الأولى التي مرّ بها السديم الشمسي، وحيث إن أقدم نيزك تم العثور عليه، وهو النيزك المعروف باسم (نيزك كانيون ديابلو) عمره 4.6 مليار سنة، إذن فالمجموعة الشمسية لها نفس العمر.
وتغييرات مستمرة
كان الاعتقاد السائد أن الكواكب تدور في نفس المدارات التي تدور فيها حاليا، أو على الأقل في مدارات قريبة جدا من المدارات الحالية، إلا أن هذا الاعتقاد تغير في أواخر القرن العشرين، حيث يعتقد حاليا أن شكل المجموعة الشمسية كان يختلف كثيرا في الماضي عما هو الآن، حيث يعتقد الكثير من العلماء أنه كان هناك كوكب آخر له نفس حجم عطارد في منطقة الكواكب الأرضية ما بين الشمس والمشترى (حيث تسمى الكواكب الأربعة الأولى من عطارد وحتى المريخ بالكواكب الأرضية لطبيعتها الصخرية، أما الكواكب من المشترى وحتى نهاية المجموعة الشمسية فتسمى الكواكب الغازية لطبيعتها.. الغازية طبعا!)، ويعتقد أيضا أن الكواكب لم تكن متباعدة عن بعضها البعض كما هي الآن، وإنما كانت أقرب إلى بعضها البعض.
أيضا كان حدوث تصادمات في المجموعة الشمسية أمرا مألوفا، مثل التصادم الذي يعتقد أنه أدى إلى انفصال كتلة القمر عن الأرض، كما يعتقد أن نظام بلوتو وشارون الذي يدور حوله قد نتجا عن تصادم في منطقة حزام كوبر، ويعتقد أن الأقمار التي تدور حول الكواكب الأخرى، والكويكبات التي تحوم في حزام الكويكبات، قد نتجت هي أيضا عن مجموعة من التصادمات.