![]() |
![]() |
![]() |
|
|
|
|
|||||||
| قسم الشعر والشعراء قسم خاص للشعر العربي وشعراء العرب |
![]() |
|
|
LinkBack | أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : [1] |
|
ميكس مبدع
![]() ![]() |
[align=center]---------------------------------------------------------------------------
الصداقة حين تكون أقوى من الحب توماس برنهارد يروي سيرته وهو يصارع الموت بين "تل حديقة الأشجار" و"الفناء الحجري" مسافة خطوات تتعثر بين أشباح الموت الرئوي وتداعي العقول الى حافات الجنون. وهي ذاتها المسافة التي تفصل بين المؤلف -الراوي توماس برنهارد وشخصية الرواية - السيرة صديقه باول فيتغنشتاين ابن أخ الفيلسوف لودفيغ فيتغنشتاين الذي اصيب بجنونٍ مزعومٍ ختم به حياته وحيداً في شقةٍ ليست أقل منه جنوناً في فوضى محتوياتها. "عندما تفكر بالموت يبدو كل شيء مدعاة للضحك" هذا ما قاله توماس برنهارد يوم هيمن المرض على أفكاره وغدا عاجزاً أمام سلطته القاهرة التي اشعرته بهشاشة الوجود الإنساني وعبثيته. ومن هناك، من بيئته الأولى حيث وجوب الصمت أمام منولوجات شاكيةٍ لجحدٍ حمّل العائلة مسؤولية فشله ككاتب، فصار مستبداً ولاعناً لكل شيءٍ حوله. وحيث هناك ايضاً رفيقة دربه "هدفيغ شتافيانشك" أو "إنسان حياتي" كما كان يدعوها، تلك المرأة التي تعرف عليها وهي في الخمسين بينما لم يكن هو قد بلغ العشرين. فكانت له رفيقة درب وأماً رؤوماً. وعندما توفيت في التسعين لم ينتظر طويلاً للحاق بها. تنقل توماس برنهارد بين الصحافة، الشعر، الرواية، المسرحية والموسيقى، كما لو أنه أراد أن يعاند الموت القريب بالتشبث القوي بتنويعات الجمال والفن، ولكن ظلال الموت في صدره وفي "تل حديقة الأشجار" أصرت هي الأخرى على ترك بصماتها السود على صفحاته الغارقة بأجواء الكآبة والبرودة، وعلى شخصياته المتداعية حد الانهيار والجنون. وما روايته - السيرة "الصداقة" إلا دليل على قوة تلك الظلال، وتمركزها في أغوار نفسه، ظلال غلّفت علاقة الصداقة بالغرابة والفرادة، وجعلتها تنتهك المألوف بعزلاتها الباردة، وتصنّع في مناخاتها الشاذة أحكاماً متطرفة ضد عوالم لا تكف عن الضغط والقسوة . ففي "تل حديقة الاشجار" وفي "الفناء الحجري" حكايات لا تنتهي عن المرض والخوف والتوجس من إقتراب الموت، ومشاعر أخرى كثيرة ماعدا الشعور ببصيص الأمل، الذي يتلاشى مع من يموتون هناك، دون أن يلفتوا الأنظار، بلا صرخة أو استغاثة. لكن، وسط أجواء الفجيعة الجسدية والعقلية هذه يبقى للصداقة الحظ الأوفر في تفكير توماس برنهارد، الذي كان مريضاً حتى الموت، وهو يتحرق شوقاً لزيارة صديقه باول في مبنى على بعد خطوات منه، لكنها خطوات مقيدة بالإنهاك الشديد، خطوات لم تسعف قلبه في تحقيق مناه. لكن صديقتهما المشتركة (إرينا) حققت له ذلك، وهي تتنقل بينهما على أسرة المرض، مثلما جمعتهما يوماً في شقتها الواقعة في شارع (بلوفشتوك) في أول تعارف لهما، تحت أنغام الموسيقى الساحرة التي أمدتهما بطاقة روحية هائلة للتجاذب ومواصلة اللقاء. وقد انعدم شعور برنهارد بالوحدة حالما علم بأن صديقه باول يرقد في مبنى قريب منه كما كان لـ "إنسان حياتي" التي لم تتخل عنه في أحلك الظروف، دور كبير في التخفيف من تلك الوحدة، إذ كانت تجلب إليه "جبالاً من الكتب والصحف" في عز القيظ، رغم إنها تجاوزت السبعين . كان الصديقان معزولين ومنسيين على جبل (فيلهلمينة) من عالم اشتركا يوماً في تشكيل مشهده الجمالي بقوة أحاسيسهما المرهفة، وصقل يومياته بفضاءات الموسيقى التي ظلا مندهشين ومفتونين بسحرها الأخاذ. كانا منسيين إلا من أطباء تميزوا بالقسوة والتشخيص الخاطئ لحالة باول، حيث كانوا يضعونه في قفصٍ مسيج بالقضبان الحديدية ويظل هناك حتى تنكسر إرادته وينهار تماماً . وقد تركت تلك التجربة تأثيراً صاعقاً على تفكير برنهارد "إن الأطباء النفسيين شياطين هذا العصر الحقيقيون" بحسب رأيه. ويستدعي برنهارد الى الذاكرة طبيعة علاقته مع باول، وكيف بالغ الاثنان في تقدير ذاتيهما والعالم بلا مبالاة مرضية، متجاوزين قدراتهما فيما كانا يفكران به،مما وضعهما معاً في مصحات المرضى على جبل فيلهلمينة . لقد كانا مندفعين نحو جنونهما حتى الموت، ولا يكفان عن ممارسة الجموح والعناد ضد ذاتيهما وضد العالم حتى أطيح بهما في عزلات جنون مروعة، لم يستطع باول التحكم بها فالتهمته. أما برنهارد فقد استطاع السيطرة عليها بشكل أبقى لنفسه مسافة فاصلة كيلا تنقض عليه وتفترسه مثلما حصل لصديقه. ويشير في هذا الصدد الى أن ما يسبب الجنون هو التخلف عن تفريغ "الثروة الفكرية" المجتمعة وإلقائها خارج نافذة الرأس. وهذا ما جعل رأس نيتشه ينفجر مثلما هو حال كل تلك الرؤوس الفلسفية المجنونة. فبالرغم من تشابه الصديقين في الكثير من الأشياء إلا إنهما مختلفان الى أقصى حد عن بعضهما الآخر. فباول، مثلاً يهتم بأمر الفقراء ويرق قلبه لهم. ولكن برنهارد يهتم بأمرهم ايضاً ولكن قلبه لا يرق لهم. ويذكر لذلك مشهد الطفل على شاطئ بحيرة تراون حيث ينفجر باول لمرآه باكياً، ويعطيه نقوداً، في الوقت الذي يفهم برنهارد اللعبة بمرأى الأم المستغلة لطفلها، وهي تقبع خلف الشجيرات تعد رزمة أوراق مالية بشكل مقزز . لقد أفلس باول – وهو سليل عائلة فيتغنشتاين الثرية-، بسبب إنفاقه المفرط على ما يبدو انهم بائسون ومحتاجون. وهو إنما يقوم بذلك إعتقاداً منه بالمساهمة في إنقاذ "الشعب الطاهر". لقد بدد كل ثرواته متمرداً على تقاليد عائلة ظلت لقرون طويلة تنتج الأسلحة والآلات. وكانت طفرتها اللامألوفة أن تنتج، في النهاية لودفيغ فيتغنشتاين وابن شقيقه باول. الأول إتخذ من الفلسفة أساساً لشهرته، والثاني إختار الجنون. ولم يكن أقل من الفيلسوف شهرة. وتميز الاثنان بالتمرد على تقاليد آل فيتغنشتاين ونهجهم في جمع المال والاحتفاظ بالأملاك. وظل رأس باول المتفجر جنوناً هو الأفضل، بالنسبة لبرنهارد، من الرؤوس الأخرى التي تشبه "حبات بطاطا منتفخة". إن صاحب هذا الرأس، المريض مرض الموت، يتحمل الوقوف ست ساعات متصلة لمشاهدة أوبرا، والصراخ أو الاستهجان بأعلى صوته لعدم إتمام العرض. وفي ضوء صراخه واستهجانه يتحدد نجاح أو فشل العرض. لكن أطباء "الفناء الحجري" أصروا على إلباسه قميص المجانين، وحولوا حياته الى أوبرا بنهاية مأساوية . وقدموا له الطعام بأوعية الصفيح بعد أن كان يتناول عشاءه الفاخر في فندق "زخر" أو "إمبريال" الشهيرين. وما كانوا يطلقون سراحه من المصح إلا بعد أن يذوي ويخمد ما بداخله ويصبح عاجزاً عن رفع رأسه أو صوته . وغالباً ما كان باول، في لحظاته الحرجة، يسرع الى من يصادفه من الأصدقاء ليعانقه وينفجر شاكياً . وهذا ما يجعل برنهارد محرجاً ومستاءً "كنت أحبه، لكنني لم أرد أن يعانقني. وكنت أكره أن ينفجر شاكياً على صدري وهو في التاسعة والخمسين أو الستين من العمر" . وفي كل مرة يطلق سراحه من المصح في "الفناء الحجري" يعود الى بيت ريفي عتيق من أملاك آل فيغنشتاين بني قبل قرنين . وهناك يستعيد قواه المنهارة وحيداً أو بصحبة برنهارد، ويقضيان الوقت بسماع الموسيقى دون كلمة واحدة . وظل برنهارد يكن لباول أعمق مشاعر الصداقة، وغدا قريباً الى قلبه لا يستطيع تحمل أو تخيل فقدانه "كان الوحيد الذي أجد معه موضوعاً مشتركاً ينمو معنا أثناء الحديث، وبغض النظر عن طبيعة الموضوع، حتى ولو كان من اصعب الموضوعات". ثم ان باول، بالرغم من ظروف مرضه، كان يأخذ سيارة أجرة من فيينا الى ناتال، حيث يقيم برنهارد، ويقطع مسافة 420 كم ذهاباً واياباً ليقول له "فقط كي اراك" ثم يعود ثانية الى فيينا . وقد تميز الصديقان بالتشابه في حبهما للتنقل والحركة وللرحلة التي لا تتوقف في مكان ما، اي السفر من أجل مغادرة المكان وعدم الوصول الى اي مكان . وهذا ما كان يوفره الجلوس في السيارة بين مكان المغادرة ومكان الوصول، أو كما يقول برنهارد: "أنا أتعس إنسان يمكن تخيله عند وصولي الى مكان ما، الى أي مكان اصل". ولكن تدهور حالة باول المرضية جعلته أسير شقة صغيرة لا تقوى خطواته على مغادرتها حتى الى شارع قريب، كما انها باعدت بين الصديقين، وتجنب برنهارد، في تلك الفترة، زيارة صديقة باول لخشيته من الموت المتربص بظلاله الحالكة بجسد صديقه الواهن، الذي تحول الى قطعة من العذاب "لم أعد أزوره لخوفي من مواجهة الموت وجهاً لوجه" لقد كان برنهارد شاهداً على اثني عشر عاماً من الاحتضار لكنه لم يستطع الوفاء لوصية صديقه باول : " مئتا صديق سيسيرون في جنازتي، ولا بد أن تلقي أنت على قبري كلمة تأبيني". لم يشارك في جنازته سوى ثمانية أو تسعة اشخاص أما برنهارد فقد كان في مكان آخر يؤلف مسرحية، مزقها في الختام، كما لو أنه اراد لها أن تكون شبيهة بنهاية قصة صداقتهما، التي بذل الكثير من الجهد من أجل استعادتها وتجديدها، لكن ظلال الموت كانت الأقوى في سهولة استعادتها وتدميرها، بشكل فيه الكثير من اللامبالاة والعبث . وابتلع سكون القبر هذا الرجل العنيد الذي قضى نصف حياته الأولى مهووساً بسباق السيارات ونصفه الآخر مجنوناً بالموسيقى ... وبالجنون نفسه .[/align] ![]() |
|
|
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
Powered by
vBulletin® Version
3.7.0
Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.2.0