فرحنا جميعاً بفوز المنتخب المصري بكأس الأمم الإفريقية وما أسعدني أنا شخصياً ليس الفوز ذاته وإنما مجموعة القيم التي أنتجته، وهي القيم التي تعني أننا إذا امتلكناها استطعنا أن نخرج من كارثتنا التي نعيشها.
هذه القيم هي التخطيط، التدريب، التنسيق والتعاون، الخروج من إطار الأنانية ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب ثم أخيراً الثواب والعقاب.
وبهذه المناسبة فتحت حواراً مع طلابي الذين كانوا في غاية الفرح، وأثناء الحوار استخدم أحدهم المصطلح الذي لا أدري من أطلقة على الفريق الوطني وهو لقب الفراعنة.. سألتهم إن كانوا يوافقون على استخدام هذا اللقب؟ فانقسموا إلى ثلاثة اتجاهات؛ الأغلبية يوافقون باعتبار أن أجدادنا فراعنة، واعترض الاتجاهان الآخران؛ واحد من منظور أننا مسلمون وآخر من منظور أننا لا نستحق اللقب (أي لقب الفراعنة وليس لقب البطولة) لأن الفراعنة كانوا عظماء يجيدون ما يفعلون في حين أننا فاشلون في كل شيء.
ورغم عدم صحة المصطلح لأن الفرعون هو الملك، ولم يكن كل المصريين القدماء ملوكاً أو فراعنة، فإنني سعيد بأن يعترف المصريون بأجدادهم بدلاً من نعتهم بأنهم كفرة وزناديق، ومصدر سعادتي هو أن علاقة المصريين بتاريخهم كانت ولا تزال ملتبسة فحتى بعد اكتشاف حجر رشيد وفك شفرات اللغات المصرية القديمة ظل الكثيرون من المصريين يعتبرون التماثيل القديمة مجرد مساخيط، بل إن بعض المثقفين سقط في نفس الهوة حين دعا إلى التخلص منها بالبيع والاستفادة بأثمانها كما فعل محمد المويلحي في كتابه "حديث عيسى بن هشام" على سبيل المثال.
ويظل هذا الالتباس دالاً على مشكلة الهوية التي لم يستطع مثقفونا المحدثون أن يعالجوها فانقسموا بين مصري ومسلم وشرق متوسطي وكل فريق يقع في تجزئة تنفي جزءا من تاريخ الوطن في حين أن الإنسان العادي لا يخضع لهذه المشكلة ويعيش حياته حاملاً كل الطبقات التاريخية التي مرت بها مصر منذ العصور القديمة ثم الرومانية ثم القبطية ثم الإسلام، مازجاً إياها في بوتقة واحدة لا تناقض فيها ولا تعارض وهذه واحدة من الخصائص المهمة في الشعب المصري والتي تسمى بالقدرة على استيعاب الجديد الإيجابي وإدماجه في إطار منظومة القيم المصرية فتثريها وتجددها ولا تدمرها.
غير أن ما أسعدني أكثر هو رأي الفريق الثالث من الطلاب الذي يعني أن علينا لا نكتفي بالتفاخر بما جنينا وإنما علينا أن نستفيد من قيمه لبناء حاضرنا الذي ينبغي ألا يكون مثل الماضي بل أفضل منه كثيراً لأننا بالتأكيد نمتلك من الإمكانيات المادية والعقلية أكثر مما كان بكثير.