التعصب ضد الإسلام
وكان له أيضا رأى سلبى فى الإسلام عبر عنه من خلال مسرحية (التعصب) اتهم فيها الرسول الكريم - وحاشا لله- بخطف النساء لإجبارهن على اعتناق الإسلام، وقد تضمنت المسرحية إساءات وأفكارا أخرى مثل التشكيك فى الوحى نفسه وفى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى جبريل عليه السلام، واللافت أن المسرحية قد صودرت من قبل الكنيسة بعد عام من صدورها من حيث كان فولتير يشكك فى الإنجيل نفسه ويقول إنه ليس كتابا سماويا، والمعنى أن فولتير لم يكن يشكك فى الإسلام لحساب دين آخر ولكنه بالتاكيد خضع للروايات التى كانت سائدة عن الإسلام فى عصور الظلام الأوروبى، وقد رد الكاتب الكبير توفيق الحكيم بعد ثلاثة قرون على فولتير بمسرحية أخرى هى (محمد) التى روى فيها مشاهد إنسانية من سيرة حياة الرسول (صلى عليه وسلم). أما المفكر والكاتب الفرنسى رينان فهو أيضا من رموز التنوير الأوروبى وقد هاجم الإسلام وشخص الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) هجوما شرسا فى كتاباته لكنه غير موقفه فى نهاية حياته بعد أن أتيحت له الفرصة أن يقرأ الإسلام قراءة متأنية وهو أيضا وقع فى خطأ قراءة التاريخ بمعايير الحاضر بمعنى أنه حاكم الإسلام بمعايير عصر النهضة فى أوروبا ولم يضعه فى سياقه التاريخى، حيث كان بلاشك خطوة هائلة للأمام، حيث يقول رينان (الإسلام هو تعصب لم تكد إسبانيا تعرف مثيلا له فى زمان فيليبى الثانى، أو إيطاليا فى زمان بى الخامس، الإسلام هو الاستخفاف بالعلم، هو إزالة المجتمع المدنى، هو بساطة العقل السامى (نسبة إلى الجنس السامى) الفظيعة التى تقلص دماغ الإنسان وتغلقه أمام أى فكرة لطيفة ودون كل إحساس رقيق).
والحقيقه أن الآراء السلبية عن الإسلام كانت دائما محور جدال بين بعض مفكرينا وبين بعض المفكرين الغربيين ولعل الدفاع عن الإسلام وعن شخص الرسول الكريم كان محور الرسائل الأربع التى أرسلها الإمام محمد عبده للأديب الروسى تولستوى، وكان موضوع مبارزة فكرية بين كل من محمد عبده وأستاذه جمال الدين الأفغانى وبين المفكر الفرنسى رينان. أما إذا انتقلنا للعصر الحالى فسنجد أن الإساءات الموجهة نحو الرسول الكريم-صلى الله عليه وسلم- تتنوع وإن كانت كلها ليست وليدة فكرة المؤامرة أو الرغبة الغربية فى إهانة المسلمين ولعل أحد الأسباب هى الصورة السلبية التى رسمها تنظيم القاعدة للمسلمين فى العالم، ولعل أحدها أيضا هو تفشى النزعات اليمينية العنصرية المعادية للمهاجرين المسلمين فى بعض الدول ومنها الدنمارك والسويد، وفى بعض الحالات سنجد أنه لايوجد سبب سوى رغبة بعض الفنانين الهامشيين فى نزع القداسة عن كل ما هو مقدس أو ما يعرف بتحطيم التابو، ينطبق هذا على شخص المسيح عليه السلام، كما ينطبق على شخص الرسول الكريم «صلى الله عليه وسلم».
شذوذ فكرى
وبعض الحالات سنجدها تعبيرا عن شذوذ فكرى أو لوثة عقلية ونفسية أكثر منها تعبيرا عن موقف فكرى وليسامحنى القارئ الكريم فى ذكر بعض الأمثلة الحديثة لإساءات لشخص الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- مع وضعها فى سياقها، آخر الجرائم الحديثة نشرتها مجلة التايم البريطانية فى عدد 6 يناير الماضى، أما مرتكبة الجريمة فهى هولندية من أصل إيرانى تدعى سورى هيرا، أقامت معرضا تشكيليا للتعبير عن هذا العالم، وبلغت بها الحقارة أن قدمت لوحة ما تنطوى على إساءة حقيرة للإسلام ولرسوله، ولحسن الحظ فإن اللوحة لم تعرض حيث رفض مدير صالة العرض التى أقامت فيها معرضها أن يعرض اللوحة، وأعرب لها عن خشيته من أن يعتبر عرض اللوحة فعلا عدائيا تجاه المسلمين، وقد قالت الفنانة المدعية للتايم إنها تعبر عن اضطهاد بعض الناس فى المجتمعات الإسلامية وادعت أنها أصبحت حبيسة فى منزلها منذ أن أقامت المعرض الذى عرضت فيه صورا أخرى لمسئولين إيرانيين يرقصون الروك مع أشخاص بدون ملابس! والحقيقة أن مثل هذه التصورات الحقيرة طالت شخصيات مقدسة أخرى مثل السيد المسيح، وهى أحيانا لاتنبع من رغبة فى الإساءة للشخصية المقدسة بقدر ما تنبع من رغبة هؤلاء الشواذ فى إضفاء شرعية على سلوكهم وفى أن يقولوا أنهم ليسوا مطرودين من رحمة الأديان، أما الرسامة ذات الأصل الإيرانى فهى نمط مصغر من الهولندية ذات الأصل الصومالى إيان هيرسى على التى عرفت الطريق إلى الشهرة والثروة من خلال الهجوم على الإسلام فى سلسلة أفلام خضوع التى اغتيل ثيو فإن جوخ مخرج أول أفلامها على يد مهاجر مغربى منذ خمس سنوات.
رسام سويدى
أما الواقعة الأخرى والتى لاتقل حقارة وغرابة وتفاهة أيضا، فهى تتعلق بلوحة لرسام سويدى أراد أن يشارك فى معرض بعنوان (الفن والكلب)، فما كان من الرسام الملتاث أو ربما العنصرى البغيض إلا أن تقدم بلوحة تصور شخص الرسول الكريم - وحاشا لله - فى تلك الهيئه، لكن المسئولين عن المعرض رفضوا عرض اللوحة وأيدهم فى الرفض المسئولون الأعلى مقاما، لكن الرسام لجأ إلى جريدة اليولاند بوست، وهى نفسها الجريدة الصغيره التى نشرت الرسوم سبب الأزمة، فنشرت الجريدة الدانماركية اللوحة إلى جانب مقال يدين منع عرضها وينعى حرية التعبير، ورغم أن اللوحة لم تعرض فى السويد بالفعل، إلا أن رئيس وزراء السويد قال عندما سئل عن الموضوع إنه لايستطيع أن يقمع حرية مواطنيه، كما أنه لايستطيع أن يعتذر عما فعل غيره.
وإذا انتقلنا من لوثات الفن والعنصرية والشذوذ فى دول اسكندنافيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية فسنجد أن الإساءة لشخص الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- تحمل معنى سياسيا مباشرا ففى عام 2004 ثارت ردود فعل غاضبة فى أوساط المسلمين الأمريكيين بعد أن وصف السياسى الجمهورى روبرت دورنان الرسول الكريم بأنه وحاشا لله (سائق جمال ذو تسع زوجات)، حيث كان دورنان يتحدث لمحطة cnn عن الأمريكى جون ووكر الذى قبض عليه، وهو يحارب فى صفوف طالبان حيث أدان دورنان أن يتخلى ووكر عن المسيح من أجل سائق جمال ذى تسع زوجات، ولم يختلف الهراء الذى ردده السياسى الجمهورى عما يردد اليمنيون المتطرفون فى بعض الكنائس الأمريكية بشكل آلى. ومن السياسة إلى اللاهوت سنجد أن تصريحات البابا بنديكت السادس عشر بابا الفاتيكان لاتزال ماثلة فى الأذهان، حيث كان البابا ذا الأصل الألمانى يلقى درسا على طلاب اللاهوت فى جامعه راتسبورت الألمانية تحدث فيه عن الإيمان والعقل واقتبس حوارا قديما دار فى القرن الرابع عشر بين الإمبراطور البيزنطى عمنوئيل الثانى وبين مثقف فارسى مسلم كان يزور بيزنطة جاء فيه رأى الإمبراطور فى الإسلام وهو أنه لم يأت بجديد سوى العنف، وبعد أن أثار المسلمون ضجة تتناسب مع قوتهم أصدر البابا بيانا قال فيه إن ما ورد فى محاضرته يعبر عن رأى الإمبراطور وليس عن رأيه هو!
صورة الرسول
والأكيد أن هناك من يتعمد الإساءة لشخص الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- أو للدين الذى أتى به كتعبير عن موقف سياسى أو دينى أو عن هلاوس أو مخاوف، لكن الأكيد أيضا أن هناك تصرفات غير مقصودة يتم التعامل معها من قبل المسلمين على أنها إساءة مقصودة، ومؤخرا رفض موقع ويكبيديا وهو موسوعة معارف على شبكة الإنترنت قبول طلب أو التماس تقدم به 180 ألف مسلم لرفع صورة الرسول صلى الله عليه وسلم من على الموقع، حيث تحرم تعاليم الإسلام تجسيد الرسول الكريم وصحابته المبشرين وآل بيته، وقد طالعت الموقع الذى يضم معلومات وصوراً لكل الشخصيات التاريخية الشهيرة فوجدت أن إدارة الموقع قد حذفت الصور من النسخة العربية من الموقع ووضعت خمس صور مرسومة إحداها بورتريه شخصى من قريب اعتبرت أنه للرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- وإن كانت طريقة صياغة التعليق تقول إن إدارة الموقع تعتبر الصورة من نسج خيال فنان شعبى، والحقيقة أن الصورة المنشورة فى موسوعة ويكبيديا لم تجرح مشاعرى كمسلم بقدر ما جرحتها صورة أخرى نشرها موقع المفترض أنه سلفى مخصص للهجوم على الشيعة وهو يسميهم (الرافضة) وهى تسمية سياسية قديمة، المهم أن الموقع فى إطار هجومه على الشيعة وتشبيههم بغير المسلمين نشر ثلاث صور لكل من الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى بن أبى طالب رضى الله عنه والحسين سيد الشهداء، وكانت الصورة المدعاة للنبى الكريم-صلى الله عليه وسلم- غير منطقية من حيث العمر ولا الصفات التى رويت عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) ولم أدر هل هذه هى الصورة التى يعتبرها الشيعة صورة الرسول أم أنها مدسوسة عليهم من أعدائهم الذين هم أيضا مسلمون، وإذا كانت الصورة هى نفسها الصورة المعتمدة لدى الشيعة فهل الإساءة من خلالها مقصودة؟ والمعنى أن الإساءة قد تحدث سواء من مسلمين أو غير مسلمين، سنة أو شيعة أو ملحدين، وأنه من الممكن تجاهلها إذا أردنا أو الوقوف عندها إذا أردنا.
انتقام متأخر
أما إذا جئنا للحلقة الأخيرة والتى تتمثل فى إعادة نشر الرسوم المسيئة للرسول- صلى الله عليه وسلم- من خلال 17صحيفة دنماركية فى بداية هذا الشهر وبالتحديد فى الأربعاء 4 فبراير، فالأمانة تقتضى أن نقول أن ما نشر هو رسم واحد من بين 12 رسما كانت قد نشرت فى جريدة يولاند بوست وأثارت الأزمة الأولى فى عام 2005 والرسمة للرسام ويستير جارد وهى تصور الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- وعلى رأسه عمامة تنتهى بفتيل مشتعل يشبه فتيل القنبلة، ورغم وضاعة المعنى إلا أن أحدا لم يهتم بالتوقف أمام السبب الحقيقى لإعادة نشر الرسوم على نطاق واسع، والأكيد أن السبب الرئيسى لم يكن الرغبة فى مزيد من إهانة المسلمين، لكن ما حدث أن الشرطة الدنماركية كشفت خلية من المسلمين الدنماركيين من أصول تونسية ومغربية كان أفرادها يخططون لاغتيال الرسام الدنماركى، ومع أخبار القبض على الخلية وهو حدث مروع بالنسبة للمجتمع الدنماركى امتلأت الصحف بأخبار عن رفض الفنادق فى الدنمارك استقبال الرسام العجوز 73عاما وزوجته خوفا من عواقب اغتياله أثناء وجوده فى الفندق، وهو ما دفع الصحف الدانماركية لإعادة نشر الصورة التى رسمها ويستير جارد كنوع من التضامن مع حرية التعبير، ولا أحد يدرى لماذا قرر المجاهدون فى الدانمارك اختيار هذا الرسام وحده من بين 12 رساما شاركوا فى الجريمة لاغتياله ولا أحد يدرى إن كانت التهمة صحيحة أم لا؟ لكنها إساءة تبعتها إساءات وستتبعها إساءات أكثر.
المصدر : روز اليوسف